الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
31
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 38 إلى 40 ] وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 38 ) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 39 ) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 40 ) قوله : وَفِي مُوسى عطف على قوله : فِيها آيَةً [ الذاريات : 37 ] . والتقدير : وتركنا في موسى آية ، فهذا العطف من عطف جملة على جملة لتقدير فعل : تركنا ، بعد واو العطف ، والكلام على حذف مضاف أي في قصة موسى حين أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى إلخ ، فيكون الترك المقدر في حرف العطف مرادا به جعل الدلالة باقية فكأنها متروكة في الموضع لا تنقل منه كما تقدم آنفا في بيت عنترة . وأعقب قصة قوم لوط بقصة موسى وفرعون لشهرة أمر موسى وشريعته ، فالترك المقدر مستعمل في مجازيه المرسل والاستعارة . وفي الواو استخدام مثل استخدام الضمير في قول معاوية بن مالك الملقب معوّد الحكماء ( لقبوه به لقوله في ذكر قصيدته ) : أعوّد مثلها الحكماء بعدي * إذا ما ألحق في الحدثان نابا إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا والمعنى : أن قصة موسى آية دائمة . وعقبت قصة قوم لوط بقصة موسى وفرعون لما بينهما من تناسب في أن العذاب الذي عذب به الأمّتان عذاب أرضي إذ عذب قوم لوط بالحجارة التي هي من طين ، وعذب قوم فرعون بالغرق في البحر ، ثم ذكر عاد وثمود وكان عذابهما سماويا إذ عذبت عاد بالريح وثمود بالصاعقة . والسلطان المبين : الحجة الواضحة وهي المعجزات التي أظهرها لفرعون من انقلاب العصا حية ، وما تلاها من الآيات الثمان . والتولي حقيقته : الانصراف عن المكان . والركن حقيقته : ما يعتمد عليه من بناء ونحوه ، ويسمى الجسد ركنا لأنه عماد عمل الإنسان . وقوله : فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ تمثيل لهيئة رفضه دعوة موسى بهيئة المنصرف عن شخص . وبإيراد قوله : بِرُكْنِهِ تمّ التمثيل ولولاه لكان قوله : فَتَوَلَّى مجرد استعارة . والباء للملابسة ، أي ملابسا ركنه كما في قوله : أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ [ الإسراء : 83 ] . والمليم : الذي يجعل غيره لائما عليه ، أي وهو مذنب ذنبا يلومه اللّه عليه ، أي